المدن الجديدة في المغرب، حل لأزمة السكن أم إشكالات جديدة في القطاع العقاري

في السنوات الأخيرة، عرف المغرب ظاهرة تشييد المزيد من المدن الجديدة في البلاد، والتي تم إنشائها بمقربة من أهم المدن المغربية و أكثرها ضما للسكان، مثل الدار البيضاء والرباط ومراكش وطنجة. هذه المشاريع السكنية المنجزة، تحظى بشعبية كبيرة بالنسبة للأسر ذات الدخل المتوسط، و​​الذين يرغبون في تملك شقق سكنية تتماشى مع قدرتهم الشرائية وبعيدا عن العروض الباهظة المطروحة في المدن الكبرى، ناهيك عن الامتيازات التي توفرها المدن الجديدة من بيئة نظيفة، وهدوء قل نظيره في المدن الكبرى.

المدن الجديدة في المغرب تم تصميمها لتلبية طلب الطبقة الاجتماعية التي تبحث عن السكن المتكيف مع دخلها واحتياجاتها، ففي سنة 2004 قامت وزارة الإسكان والتعمير بإطلاق برنامج يهدف إلى إنشاء هياكل حضارية جديدة، عن طريق إحداث حوالي 15 مدينة جديدة تصل مساحتها الإجمالية إلى ما يقارب 5000 هكتار بحلول سنة 2020، و يهدف هذا المشروع إلى استيعاب حوالي مليون شخص و توفير جميع البنية التحتية والخدمات الضرورية لفائدتهم، فيما يعتبر المتدخلان الرئيسيان في سياسة التخطيط العمراني لهذه المشاريع الكبيرة هما صندوق الإيداع و التدبير وشركة العمران العقارية.

مشاريع المدن الجديدة المنجزة في المغرب

تامنصورت

أول المدن الجديدة التي ظهرت في المغرب هي مدينة تامنصورت وذلك في سنة 2004، من أجل تخفيف الضغط على مدينة مراكش التي يتزايد فيها الطلب على السكن كل سنة، وأنشئ مشروع المدينة الجديدة تامنصورت على مساحة تقارب 1931 هكتار، وفرت من خلالها هذه المدينة العديد من التجزئات السكنية المختلفة الفئة، ومشاريع اقتصادية عديدة حيث تبلغ المنطقة الصناعية بمدينة تامنصورت الجديدة حوالي 300 هكتار، مساحة سعى من خلالها المسؤولين إلى  توفير فرص عديدة للشغل لفائدة ساكنة المدينة الجديدة و كذا مدينة مراكش و نواحيها، بالإضافة إلى مشاريع أخرى تهم المرافق الاجتماعية المتمثلة في المدارس والمساجد والأسواق، وكل الحاجيات التي بإمكانها أن توفر العيش الكريم للمواطنين.

تامسنا

بعدها تم إنشاء مدينة تامسنا القريبة من العاصمة الإدارية الرباط، والتي بدورها سعت إلى تخفيف الضغط على ساكنة الرباط وتوفير مساكن لفائدة الفئات المتوسطة وذوي الدخل المحدود، نظرا لما تشهده العاصمة الإدارية من ارتفاع في العقار في السنوات الأخيرة، والتي ساهم فيها كثرة الطلب مع قلة توفر العرض، نظرا لعدم وجود مساحات من أجل تشييد تجزئات سكنية في المدينة. هذه لعوامل جعلت من العروض المتوفرة تنفذ قبل استكمال المشاريع نظرا للرغبة الكبيرة للمواطنين في تملك ”قبر الحياة” بأثمنة تتماشى مع قدراتهم و بمواصفات عالية كما أعلن في المشروع.

الخيايطة

وفي نفس الإطار العاصمة الاقتصادية الدار البيضاء، نهجت بدورها إحداث مدينة جديدة في منطقة الخيايطة سنة 2007، والتي وفرت لها مساحة 1292 هكتار من أجل تشييد شقق سكنية مختلفة الجودة، سعيا إلى توفيرها لفائدة ساكنة المدينة، والتي بلغت في الإحصاءات الأخيرة للمندوبية السامية للإحصاء حوالي 3 ملايين ونصف نسمة، خصوصا أن الدار البيضاء تعتبر قبلة للمغاربة من جل ربوعها، باحثين عن فرص للعمل نظرا لما تتوفر عليه العاصمة الاقتصادية من شركات كبرى تنشط في مختلف القطاعات، وكذا توفرها على كبريات المدارس الوطنية و التي تجذب الطلاب كذلك، كما تعرف مدينة الدار البيضاء تهيئ مدينة جديدة تقع في منتصف الطريق بين الدار البيضاء و المحمدية تحت أسم زناتة و من المنتظر أن تشهد هذه المنطقة مشاريع سكنية فخمة و متوسطة، بالإضافة إلى مشاريع اقتصادية كبرى، بإمكانها أن تعزز القوة الاقتصادية في المدينة الأكثر استحواذا على هذا المجال و التي تستقطب استثمارات خارجية كبيرة كل سنة.

شرافات

في حين مدينة طنجة هي الأخرى، شهدت إنشاء مدينة شرافات الجديدة والتي تبعد بضع كيلومترات عن ميناء طنجة الكبير، والتي تتوفر على مدخل للطريق السيار وخط للسكك الحديدية، مما جعلها تدخل في مصاف المدن الناشئة بقوة، ولنفس الهدف المسطر من طرف المدن الجديدة التي أتت المدن السابق ذكرها، حيث أن مدينة الشرافات أضحت توفر العديد من المشاريع السكنية الكبرى والتي من حدوها أن تقلل من العجز السكني في عاصمة البوغاز خصوصا بعد ارتفاع السعر بالمدينة التي أضحت وجهة سياحية بامتياز في السنوات الأخيرة،  ناهيك عن المشاريع الاقتصادية التي توفر العديد من فرص الشغل التي جذبت العديد من السكان إلى مدينة شرافات في ضواحي طنجة.

إشكاليات السكن في المدن الجديدة

قبل البدء في أي مشروع، من المهم تحديد جميع الأهداف وتحليل فعالية البرنامج على المدى القصير والمتوسط ​​والطويل، حيث أن مشروع واسع النطاق مثل المدن الجديدة، يتطلب دراسة مسبقة من قبل جميع الوزارات المعنية، ليس فقط من طرف وزارة الإسكان والتخطيط العمراني.

وبالفعل، فإن المدن الجديدة بعيدة كل البعد عن كونها مدينة لضم مساكن لفائدة الفئات ذوي الدخل المحدود والمتوسط فقط، حيث من المفترض أن تتوفر هذه المراكز الحضرية على جميع المرافق الضرورية التي تتيح لساكنتها العيش الكريم، لكن الأمر المؤسف هو أن هذه المدن الجديدة خصوصا تامنصورت بالقرب من مراكش و تامسنا في ضواحي الرباط، لم تعرف ما كان ينتظر منها من ناحية توفير حاجيات السكان الوافدين عليها، مما أثار غضب العديد منهم و الذين أضحوا يطالبون بتحرك المسؤولين من أجل توفير حاجيات العيش الكريم التي تنقص هذه المدن.

بعد هذه الاحتجاجات أضحى من اللازم أن تتضافر كل الجهود من طرف المؤسسات المسؤولة، التي يجب أن تتعاون وتضع خطة للنهوض بالبنية التحتية لهذه المدن وتوفير أسس العيش الكريم التي تتضمن المراكز الصحية والمدارس ومراكز الشباب ووسائل النقل، والعديد من الاحتياجات التي فوجئ ساكنة المدن الجديدة من توفرها في الخيال فقط.

بوسكورة مثال المدن الجديدة الناجحة

تحتل مدينة بوسكورة الجديدة مساحة قدرها 9870 هكتار، وتقع على بعد عشرين كيلومترا من الدار البيضاء. في عام 1994، كان هذا المركز السكني يضم حوالي 22000 نسمة، في حين أصبح الآن يخطط لاستقبال أكثر من 280 ألف شخص بحلول عام 2030.

وبالفعل، أصبحت مدينة بوسكورة الجديدة مقصدا لساكنة الدار البيضاء الباحثين عن بيئة أكثر هدوء وعن مساحات خضراء شاسعة وهواء نظيف، بعيد عن زحمة السير والتلوث التي تعرفه العاصمة الاقتصادية بالإضافة إلى ذلك، توفر هذه المدينة الجديدة التي أضحت إلى نسبة كبيرة مشروعا مثاليا، العديد من المرافق التي تتمثل في المدارس والعيادات والمراكز الصحية والمطاعم وملاعب الغولف والعديد من المرافق التي توفر الخدمات لساكنيها المحلية، جعلت منها مركزًا حضريًا حقيقيًا.

في نفس الإطار، وبعيدا عن توفير مدينة بوسكورة الجديدة لجميع الحاجيات الضرورية والبنيات التحتية التي خولت لها أن تستقطب عددا مهما من الساكنة بها، فهي توفر مساكن لفائدة جميع الطبقات والشرائح المجتمعية، من برامج السكن الاقتصادي إلى الفيلات والشقق الفاخرة والمتوسطة.

أيوب برض